أبى (ومضة العتماء)

  



أبحر الشاب في يم الذكريات.. ربما كان الافق دامسا، لكن ومضة برقت فجأة لتقشع حلكته المدلهمة.. 
كانت تلك الومضة هى والده .. إشتم في الأجواء عبق  ذكرياته معه ،وسرى شذاها يعانق الهواء في زنزانته الكريهة فيحيله نسيما عليلا ..
زفر في شوق .. ربما لم يكن يعي سالفا قدر تلك الثوابت التربوية التى بذرها والده في نفسه وإخوته.. وهاهو اليوم يدرك أن تلك البذور لابد وأن تنبت يوما بالصبر والتقوى.
ترقرقت الدموع في عينيه ،بينما يستجلب من ذاكرته تلك المواقف البعيدة..

_ بابا .. الطريق زحمة أوى
_ قولوا : لا حول ولا قوة الا بالله، ،هتلاقوا الطريق مشي بإذن الله

_ بابا .. عاوزين نوقف سباحة في الشتا عشان الجو برد قوى.
_ ليه توقفوا؟ إنتوا مش عارفين إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ،وفي كل خير؟

_ بابا .. أنا خايف الحصان يوقعنى
_  قبل ما تركب قول : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم  ٣ مرات ،وان شاء الله مش هيوقعك.

_ بابا.. انت بتكتب للراجل اللى خبطت عربيته ورقة مكتوب فيها رقمك ؟ ماهوه كده هيتصل بيك يشتمك. 
_ أنا بكتبها عشان اصلحها له .. من أفسد شيئا فعليه إصلاحه

_ بابا .. انت مش هتغير العربية بتاعتك ؟ خلاص بقت قديمة ومعفنة 
_ يابنى انا لو عاوز اركب مرسيدس هاركبها من بكره ،بس انا باستثمر فلوسي فيكوا.

تذكر الشاب تذمره  واعتراضه على آراء والده وأفعاله ،بينما كان الرجل يقابل إنكاره بابتسامة رصينة تلتحف بصمت حكيم ..
واليوم يترجم الشاب لغة صمته تلك ويفطن إلى مراده ،فكأن الرجل كان يقول له حينها : 
_ ستدرك يوما ما
و كحال كل الموجودات ،لا تدرك النعم الا بالسلب والبلاء.. كذلك هو .. فمنذ اختفاء والده عن حياته ،شعر أنه مكشوف الظهر.. لم يكبله وضعه البائس ،بل قفز إلى عجلة القيادة بدلا عن والده ،ليتحمل مسؤولية اخوته.. ولكن ياصديقى أن تكون مسؤولا لا يعني ابدا ان تنال رضا الناس اجمعين .. فقد يصله شعور الامتنان تارة وتارة شعور التسخط إزاء ما لم يفهموه منه

كفكف دمعاته ،بينما يتمتم في خفوت:
ياليت بالإمكان الرجوع بالزمان ليعتذر من والده عما اقترفه في حقه .. ليخبره بأنه أدرك اليوم ما كان غائبا عنه ،ولكن _للاسف_ بعدما ابتلاه القدر بقضائه ( هذا فراق بيني وبينك) فيا ليته استطاع معه صبرا.
تفكر الشاب في حاله.. وكيف تغيرت بوصلته ليخطو في طريق الصلاح.. قد يكون بعد في بداياته، لكن يكفيه الشعور بهذا التحول الايجابي.. ربما كان ذلك نتاج نية مخلصة توجه بها لله عز وجل بلا رياء .. او.... او انها دعوة صالحة من والد محب ارتجي لولده الصلاح .. جالت برأسه الآية الكريمة ( وكان ابوهما صالحا فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك... ) نعم .. إن صلاح الآباء هو زخر للابناء في حفظ حقوقهم وتدبير أمورهم وصلاح أحوالهم كذلك.. ولربما ايقن والده ذلك فلم يعنى كثيرا باكتناز المال ولم يعده غاية ،بل مجرد وسيلة لعيش كريم وحسب.. وسعى لاكتناز الثروة الحقيقية ،التقوى والسداد في القول ،امتثالا لقول الله تعالى ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم [ ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) 
لقد كان موقنا بأن الله يتولى الصالحين ،فكان سعيه أن يترك لأبنائه ماهو خير من كنوز الدنيا وهو الصلاح أسوة بالصحابة والتابعين.
إنفرج ثغره عن ابتسامة رضا حين تذكر ما قرأه سالفا في أن الابن لا يبلغ مرتبة والده الصالح ،إذ أن كل عمل صالح للابن يشاركه فيه والده، لا ينقص من عمله شيئا.. 
مازال بمقدوره اذا أن يقدم لوالده ولو القليل .. إن صلاحه هو ،في موازين والديه كذلك .. ربما يجهل مصير والده الآن ، لكن ديننا الحنيف فتح له بابا اخر للبر حيث أخبرنا الرسول أنه اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث .. ومازالت لديه الفرصة ليكون هو أحد هذه الثلاثة ( ولد صالح يدعو له)
شخص ببصره نحو النافذة الصغيرة في أعلى الجدار .. ومن بين الأسلاك والقضبان الحديدية ،تسلل دعاؤه يعانق أمنية ملحة بالاستجابة..
تمتم في رجاء خفي :
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عين

كإبلٍ مائة (ومضة العتماء)