سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ (١)
هى تلك الكلمات التى يسمعها أهل الجنة فور دخولهم إياها وهى أذانٌ بانتهاء مشاق الدنيا، فان كانت الدنيا دار شقاء وكَبَد وجب اقترانها بالصبر لبلوغ الفلاح، وإن كانت تلك الكلمات واضحة فالصبر إذاً مفتاح لجنان الرحمن، دعونا نتقصى دروب الصبر وألوانه وننتهجه سبيلاً كدأب الأنبياء والصالحين ...
ولما كانت المعركة على أوجها بين بنى آدم على وجه العموم والمؤمنين الصالحين على وجه الخصوص مع هذا العدو كان حقاً على الله الذى لا يظلم مثقال ذرة أن يجازى تلك الفئة بأحسن الذى كانوا يعملون.
قد يتبادر إلى الأذهان أن الصبر يكون فى المصائب فقط ولكن الصبر أنواع، فبالنظر إلى سورة العصر -التى قيل عنها أنها لو أنزلت على أمة الاسلام لكفتهم- "وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" فقد أوضحت التفاسير أن الصبر نوعان صبر على طاعة وصبر عن معصية ،فأما الصبر على الطاعة فهو ذلك الصبر الذى يغالب فيه الصالحون وساوس عدوهم وخطواته من استكثار للطاعات أو فتور للهمم فقد قال العزيز الحكيم فى محكم تنزيله: "فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ" ، وأما الصبر عن المعاصى فهو بمثابة إلجام الأنفس من الانقياد خلف وساوس الشيطان بتصويره الحسن والبهاء فى كل ما هو محرَّم فيأتيه العباد ثم تكون الحسرات بعد ذلك، فلا وُجِدَ الحسن إلا لحظة التزيين وما استمر إلا ضيق الصدر بإتيان المنكر، وانظر إلى ما نبأنا به عالم الغيب سبحانه من أنباء الغيب من حوار بين هذا العدو الأزلى ومن أغواهم فى النار -أعاذنا الله وإياكم منها- "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" فيا أسفى على من اتبع من تبرأ منه ابتداءاً.
وهناك نوع من الصبر يضم فى طياته كلا نوعى الصبر وهو الصبر الجميل وهو ذلك النوع الذى لا يكون فيه تأفف عند حلول المصيبة بل انقياد واستسلام وتسليم لأقدار الملك عز وجل كما فى قصة يوسف عليه حين شك يعقوب عليه السلام فى ما أُخْبِر به عن مصاب ولده ورغم عِظَمِ المفتَرى وهوله ولكنه آثر الصبر فقال: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ" ، والاستعانة بالله تكون فى شتى الأمور حتى فى ما فرضه الله علينا لأنه وكما أُخبِرنا أن الانسان خُلِقَ ضعيفاً ذليلاً لا يقوى على شئ إلا بتدبير ومشيئة من ملك الملوك ولما كان الانسان ضعيفاً ذكر يعقوب عليه السلام استعانته بالله فى صبره على هول وعِظَمِ المُصاب، وأيضاً نذكر استعانتنا بالقوى العزيز أكثر من مرة فى كل صلاة لِما ورد فى فاتحة الكتاب من قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ".
وإذا نظر المتأمل إلى كل ما يحيطنا فسنجد أن كل شئ يدور فى فلك مفهوم الصبر، فَلِتجازى عدلاً بعد كل ابتلاء فستجد أنه إما سلوك درب الصبر عن المعاصى وإما درب صبر على الطاعات، والابتلاءات تحوطنا من كل جانب كما بيَّن العلىّ القدير ذلك فى قوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"، فإذا تفكرنا فى حال الممتحِن والممتحَن -ولله المثل الأعلى- سنجد أن أفضل الامتحانات هى التى يكون فيها تمايز فى الصعوبة لكى ينال كل ممتحِن ما يستحقه لا ينقص الامتحان قدر أنملة من تعبه وبذله، فكذا تكون ابتلاءات الدنيا لكى يتمايز العباد فإما إحسان يُفضى إلى جنان الرحمن أو طغيان يُفضى إلى النيران، وفى كلٍّ تمايز أيضاً لِتجازى كل نفسٍ بما كسبت فالجنة درجات والنار دركات.
(يتبع)........
تعليقات
إرسال تعليق